الحضانة في نظام الأحوال الشخصية

 

الحضانة في نظام الأحوال الشخصية

في إطار التطورات التشريعية التي تمر بها المملكة العربية السعودية صدر نظام الأحوال الشخصية بالمرسوم الملكي رقم (م/73) وتاريخ 6/8/1443ه وهو يعد من أهم الأنظمة وأبرزها لأنه يَفصِل في كثير من المسائل في أبواب فقه الأسرة كأحكام النكاح والطلاق والنفقة والحضانة، وفي هذه المقالة نستعرض أهم المسائل التي تطرق لها النظام في باب الحضانة.

 

  • ماهي الحضانة؟

الحضانة هي حفظ من لا يستقل بنفسه عما يضره، وتربيته والقيام على مصالحه بما في ذلك التعليم والعلاج.

فالحضانة في تعريف المنظِّم مبناها على الحفظ والتربية بما يحصل به مصلحة المحضون، ولأهمية التعليم والعلاج نص عليهما ولا يعني ذلك الاقتصار عليهما بل الحضانة تشمل كل ما يعد قياماً بمصالح المحضون وحفظاً له.

 

 

يشترط أن تتوافر في الحاضن الشروط الآتية:

أولاً: كمال الأهلية، وكامل الأهلية عكس القاصر، لأن النظام عرف في المادة السادسة والثلاثون بعد المائة القاصر بأنه من لم يستكمل الأهلية بفقدها بالكلية أو نقصانها، ومن في حكمه.

ثانياً: القدرة على تربية المحضون وحفظه ورعايته، وهو يشمل القدرة العقلية والمالية وقدرة الحاضن على إتاحة الوقت للمحضون وغيره، فإذا لم يستطع الحاضن إعطاء المحضون من وقته ومن جهده وماله لم يكن قادراً على حضانته وفق أحكام النظام.

ثالثاً: السلامة من الأمراض المعدية الخطيرة، وذلك لأنه كما أسلفنا يقصد من الحضانة أولاً حصول المصلحة للمحضون، وتنتفي المصلحة مع وجود الأمراض المعدية والخطيرة.

رابعاً: إذا كان الحاضن امرأة، فيجب أن تكون غير متزوجة برجل أجنبي عن المحضون، ما لم تقتض مصلحة المحضون خلاف ذلك.

لأنه من المقرر شرعاً ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالَت يا رسولَ اللَّهِ إنَّ ابني هذا كانَ بطني لَه وعاءً وثَديي لَه سِقاءً وحجري لَه حِواءً وإنَّ أباهُ طلَّقني وأرادَ أن ينتزِعَه منِّي فقالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ “أنتِ أحقُّ بِه ما لم تَنكِحي” أخرجه أبو داود (2276)، وأحمد (6707(.

خامساً: إذا كان الحاضن رجلاً، فيجب أن يكون ذا رحم محرم للمحضون إن كان أنثى، وأن .

 

  • الحضانة على من تكون؟

ذكر النظام حالتين للحضانة، وهي قبل الافتراق بين الزوجين وبعد الافتراق، فأما قبل الافتراق:

فالحضانة من واجبات الوالدين معاً ما دامت الزوجية قائمة بينهما، فيجب على كل منهما حفظ المحضون والقيام على شؤونه وتربيته، لما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة السابعة والعشرون بعد المائة من النظام “الحضانة من واجبات الوالدين جميعاً مادامت الزوجية قائمة بينهما” وأصل هذا من السنة النبوية قوله عليه الصلاة والسلام “كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ” رواه البخاري (5200).

وأما بعد الافتراق فالأحق بها على الترتيب الآتي:

الأم ثم الأب، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم تقرر المحكمة ما ترى فيه مصلحة المحضون، ومن ضمن السلطة التقديرية للمحكمة أيضاً أن تقرر خلاف الترتيب السابق، وذلك إذا كانت تقتضي مصلحة المحضون ذلك.

 

  • حالات سقوط الحضانة:

تسقط الحضانة عن الحاضن في أحوال ذكرها النظام، وهي كما يلي:

أولاً: إذا تخلف أحد الشروط المذكورة سابقاً في الحاضن، فتسقط حينئذ الحضانة وتنتقل للأحق بها بعد الحاضن، فمثلاً لو كان الأب حاضناً للمحضون فاختلّ شرط كمال الأهلية، فهنا تنتقل لأم الأم ما لم تر المحكمة خلاف ذلك.

ثانياً: إذا انتقل الحاضن إلى مكان بقصد الإقامة تفوت به مصلحة المحضون.

 فليس كل انتقالٍ يعد مسقطاً للحضانة وإنما إذا كان يفوت به مصلحة المحضون، وهذا القيد يؤكد أعظم مقاصد الحضانة وهو كونها شرعت لما فيه مصلحة المحضون وصلاحه.

ثالثاً: إذا سكت مستحق الحضانة عن المطالبة بها مدة تزيد على (سنة) من غير عذر؛ ما لم تقتض مصلحة المحضون خلاف ذلك.

  • السفر بالمحضون خارج المملكة:

إذا كان السفر خارج المملكة فهو على حالين:

أولا: إذا كان المسافر أحد الأبوين:

 فلا يجوز له إذاً السفر بالمحضون إلى خارج المملكة مدة تزيد على (تسعين) يوماً في السنة إلا بموافقة الوالد الآخر، أو الولي في حال وفاة الوالد.

ثانياً: إذا كان المسافر من غير الوالدين:

فلا يجوز له السفر بالمحضون إلى خارج المملكة مدة تزيد على (ثلاثين) يوماً في السنة إلا بموافقة الوالدين أو أحدهما في حال وفاة الآخر.

 

  • من يُلزم بالحضانة إن امتنع الوالدين؟

فصلَ النظام في مسألة تنازع الوالدين في رد الحضانة وهي من المسائل التي يقل حدوثها -ولكنها قد تحدث- وبيّن المنظم أنه إذا لم يطلب الحضانة أحد من الوالدين، فإن كان سن المحضون دون العامين فتلزم بها الأم وإلا ألزم بها الأب إن لم تكن الأم موجودة.

وأما إن كان سن المحضون فوق العامين فيلزم بها الأب إن وجد وإلا تلزم بها الأم.

وأما إذا لم يوجد الوالدان، ولم يقبل الحضانة مستحق لها، فإن المحكمة تختار من تراه صالحاً من أقارب المحضون، أو غيرهم، أو إحدى الجهات المؤهلة لهذا الغرض.

 

  • هل للمحضون الاختيار عند من تكون حضانته؟

من الأحكام التي بينها النظام أيضاً مسألة اختيار المحضون عند من يكون، فذكر أن المحضون إذا أتم (الخامسة عشرة) من عمره، ولم يكن معتوها أو مجنوناً فله الاختيار في الإقامة لدى أحد والديه، ما لم تقتض مصلحة المحضون خلاف ذلك.

وهذا موافق لما هو مقرر شرعاً، فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم خيّر غلاماً بين أبويه فقال “يا غلامُ! هذا أبوكَ، وهذه أُمُّكَ، فخُذْ بيدِ أَيِّهِما شِئْتَ” صححه الألباني.

وتنتهي الحضانة في كل الأحوال إذا أتم المحضون (18) عاماً، ويستثنى من ذلك إذا كان المحضون مجنوناً أو معتوهاً أو مريضاً مرضاً مقعداً، فتستمر الحضانة.

 

  • حق زيارة المحضون:

أولاً: إذا كان المحضون في حضانة أحد الوالدين، فللآخر زيارته واستزارته واستصحابه بحسب ما يتفقان عليه، وفي حال الاختلاف تقرر المحكمة ما تراه.

ثانياً: إذا كان أحد والدي المحضون متوفى أو غائباً، فللمحكمة أن تعين مستحق الزيارة من أقاربه وفق مصلحة المحضون.

ثالثاً: إذا كان المحضون لدى غير والديه، فللمحكمة أن تعين مستحق الزيارة من أقاربه وفق مصلحة المحضون.

ختاماً: يظهر لقارئ النظام مدى ارتباطه واتصاله بالشريعة الإسلامية، واهتمامه بالمقاصد الشرعية المعتبرة كتحقيق ما فيه صلاح المحضون، وحسن رعايته في مسائل كثيرة، والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة